[align=center]الزخارف الهندسية الإسلامية
[/align]
استعمل الإنسان الزخارف الهندسية في جميع الحضارات التي ظهرات منذ العصر الحجري إلى الآن . ولعل اهتمام الانسان بالزخارف الهندسية يعود إلى نزوعه الفطري نحو التجريد من جهة ، والتوجيه الذي تفرضه الخامة والأداء أثناء عملية الانتاج من جهة أخرى . ويمكننا أن نقول أن نشأة الزخارف الهندسية لم تكن مسألة ارادية بقدر ما هي مسألة لا ارادية .

ومهما يكن من شيء ، فإن الزخارف الهندسية أخذت في ظل الحضارة العربية الإسلامية ، أهمية خاصة ، وتميزت بشخصية فريدة لا نظير لها في أية حضارة من الحضارات ، فاصبحت في كثير من لاأحيان ، العنصر الرئيس الذي يغطي مساحات كبيرة ، يلعب الخط الهندسي فيها دورًا كالدور الذي يلعبه الخط المنحني في "الأرابيسك " .

وكان هم الفنان المسلم وشغله الشاغل ، أن يبحث عن تلوين جديد مبتكر يتولد من اشتباكات قواطع الزوايا ، أو مزاوجة الأشكال الهندسية ، لتحقيق مزيد من الجمال الرصين الذي يسبغه على التحف التي ينتجها . ولسنا نظن أن المسلمين كانلديهم كتب فيا ناذج الزخارف الهندسية الذائغة ، ولا شك أنهذهالزارف كانت سراً من اسرار الصناعة ، كانت تصنع لها قوالب ونماذج يستعملها الصناع والفنانون .

أما السبب في عناية الفنان المسلم بالزخارف الهندسية وشغفه بها فيرجع غلى الفكرة السائدة حول تحريم أو كراهية تصوير الكائنات الحية في الإسلام ، إذ أن شكوك الفنان المسلم في هذه المسأله ، جعلته ينصرف عنها ويتجه بكل طاقته وجهده نحو الأشكال الهندسية وتطويرها وابتكر منها أشكالاً جديدة ، حتى احتلت مكانة مرموقة ، واصبحت مميزة مهمة امتاز بها الفن الإسلامي .

الزخارف الهندسية في العصر الأموي :

ومن ابرز أنواع الزخارف الهندسية التي امتازت بها الفنون الإسلامية : الأشكال النجمية متعددة الأضلاع ، والتي تشكل ما يسمى "الأطباق النجمية "

ومنذ العصر الأموي ، وصلتنا زخارف هندسية ذات أطباق نجمية ، نراها ممثلة في النوافذ المشبكة الموجودة في الجامع الأموي بدمشق ، والذي بناه الخليفة الوليد بن عبد الملك ( 88- 96 هـ ، 706- 714 م ) ز إن زخارف هذه المشبكات تقوم على دوائر متقاطعة ومتداخلة تحصر بينها دوائر صغيرة او أشكال تشبه النجوم الثمانية ، إضافة غلى المضلعات المتنوعة . كا توجد هناك زخارف طبقية ونجمية متنوعة قوامها دوائر متساوية مع بعضها تتقاطع وتتداخل معها خطوط أخرى ، فتؤلف ما يشه النجوم السداسية ، أو النجوم الثمانية ، كما أننا نرى في بعضها أشكالاً هندسية مختلفة كالمربعات والمسدسات والمعينات والأشكال المتعددة الأضلاع .

الزخارف الهندسية في العصر العباسي :

أما العصر العباسي فقد امتاز بالزخارف الهندسية على الجص البسيطة التكوين ، حيث اكتشفت في أطلال سامراء العاصمة الثانية للعباسيين ، بعضها قوامها مربع تحيط به اربعة مسسات كبيرة نسبياً ، غير أنه لم تظهر في زخارف سامراء "الأطباق النجمية " لا البسيطة منها ولا المعقدة .

وفي مصر ، بدأت هذه الزخارف الطبقية ، تحتل مكانة مرموقة منذ العصر الطولوني ، حيث يحتفظ المسجد الطولوني - الذي بني في سنة 265هـ / 879 م بأمثلة متنوعة ، منها نراها في بواطن العقود والنوافذ المشبكة وقوام هذه الزخارف نجوم متعددة الرؤوس تحيط بها مضلعات مختلفة على غرار ما شاهدناه في المدرسة المستنصرية ببغداد .

الزخارف الهندسة في العصر الفاطمي :

ثم تطورت كثيراً تلك الزخارف الهندسية النجمية في مصر في العصر الفاطمي ( 358هـ / 969م - 567هـ / 1171م ) . ففي الجامع الأزهر ومسجد الأقمر ومسجد الحاكم أمثلة تشهد على تنوعها ، وتعقد اشكالها وتراكيبها ، حيث تعددت أنواع النجوم والمضلعات المختلفة .

الزخارف الهندسية في العصر المملوكي :

وابتكرت من ذلك وحدات زخرفية جميلة تعتمد في أساسها على الدائرة واقطارها التي تقطعها خطوط أخرى مكونة تلك الأشكال الهندسية البديعة . وقد بلغت زخارف الأطباق النجمية ، أوج تطورها في العصر المملوكي بمصر ( 648/ 923هـ / 1250/ 1517 م ) فتكنت منها أنواع كثيرة وأشكال بديعة . والملاحظ أن بعض هذه الزخارف تشبه زخارف القصر العباسي والمستنصرية ببغداد .

وقد شاع استعمال هذه الأشكال في مصر حيث استخدمت في زخرفة التحف الخشبية والنحاسية ، وفي الصفحات الأولى المذهبة في المصاحف والكتب ، وفي زخرفة السقوف وغير ذلك .

الزخارف الهندسية خلال الفترة المظلمة :

وهناك الزخارف النجمية والطبقية التي نشاهداها في الأبنية الباقية من الفتة العباسية المتأخرة والعصر المغولي والعصر الجلائري ، حيث نرى عدة أنواع من النجوم متعددة الرؤوس ، فهناك نجوم رباعية وخماسية وسداسية وسباعية وثمانية وذات عشرة رؤوس واثني عشر رأساً تمتد أضلاعها فتؤلف حولها نجوماً ومضلعات مختلفة تحيط بها ، وهكذا تظهر جميع الأشكال مترابطة مع بعضها .

إن هذه الزخرفة تعتمد في أساسهاعلى الدائرة وأقطارها التي تقطعها خطوط أخرى مكونة تلك النجوم والمضلعات الهندسة ، وهذا ما نراه بشكل واضح في معظم زخارف الأبنية الأثرية التي ما تزال قائمة ببغداد وبصورة خاصة في زخارف القصر العباسي والمستنصرية .

وقديما كان الفنان ينجز هذه الزخارف بطريقة سهلة ، إذ يرسم جزءاً من الوحدة الزخرفية ، يكرره مرتين أو أربع مرات فتتكون لديه وحدة زخرفية كاملة ، ومن تكرر هذه الوحدة الزخرفية في المساحة التي يريد ملأها بالزخرفة ، ويطلق على هذه الوحدة الزخرفية اسم "الربع الزخرفي " الذي يسمى بأسماء مشتقة من النجمة أو المضلع الهندسي الرئيسي فيه ، وهكذا أصبح الفنان يصب كل جهده في ابتكار وحدات زخرفية أكثر تنوعاً وتعقيداً .

وأقدم مثال على الأطباق النجمية وصلنا من بغداد نراه في " باب الظفرية " ، الذي يرجع تاريخه إلى اواخر القرن الخامس وأوئل القرن السادس الهجري ( الحادي عشر - الثاني عشر الميلادي ) ، وهي زخارف ناضجة وعلى درجة كبيرة من التطور .

ومما لاشك فيه ، أنا تمثل مرحلة متطورة من زخارف أقدم عهداً لم تصل إلينا امثلة منها ، كما تدل أيضًا على أن هذه الزخرفة الهندسية كانت مزدهرة في بغداد قبل هذا التاريخ بفترة ليست قصيرة وقد تطورت هذه الأطباق النجمية في الفترة العباسية المتأخرة ، حيث وصلتنا من القصر العباسي نماذج متنوعة من هذه الزخارف ، ابدى فيها الفنان براعة في تركيبها ودقة صنعها ، كما وصلتنا من المدرسة المستنصرية زخارف نجمية وطبقية بديعة ، حيث تطورت تطوراً كبيراً عن السابق ، وأصبحت ذات أشكال معقدة ، وأنواع كثيرة . فقد وصلنا منها عشرون نوعا صيعتمد كل واحد منها على وحدة زخرفية كثيرة. فقد وصلنا منها عشرون نوعاً يعتمد كل واحد منها على وحدة زخرفية خاصة . وتعددت أنواع النجوم وتنوعت الأشكال المنتظمة وغير المنتظمة .

وفي العصر المغولي ، استعملت زخارف قوامها نجوم ومضلعات وأشكال رأسية معقوفة .نراها تتمثل في أبنية هذا العصر ، وهي مئذنة جامع الخلقاي وقية الشخ عمر ببغداد وهما البنايتان اللتان بقيتا منهذهالفترة في بغداد . غير أنه لم تصلنا أطباق نجمية كتلك التي وصلتنا في العصر العباسي ، ولع هذا يرجع غلى اندثار غالبية الأبنية التي ترجع إلى هذا العصر

وسارت هذه الزخارف الطبقية في العصر الجلائري نحو التطور والتعقيد ، حيث وصلتنا من آثار هذا العصر ، المدرسة المرجانية التي زينت بزخارف هندسية قوامها أطباق نجمية معقدة ، فنرى فيها نجوماً متعددة الرؤوس وأشكالاً هندسية منتظمة ذات أضلاع متعددة . ويمكننا تقسيم الزاخارف الهندسية التي وصلتنا من آثار بغداد إلى قسمين رئيسيين هما :

الزخارف التي تقوم على أوضاع الآجر :

وهي أبسط أنواع الزخارف الهندسية ، وتعتمد علىالاستفادة من الشكل المستطيل لقطعة الآجر نفسها في سبيل تكوين أشكال هندسية تنتج من اختلاف وضعية القطع الآجرية ، حيث توضع واحدة منها بصورة عمودية إلى جانبها قطعة أخرى أفقية ، أو توضع صفوف من الآجر بصورة رأسية أو عمودية تختلف عن الصفوف الأفقية الأفقية الاعتيادية في البناء ، ويتجلى ذلك في معظم الزخارف الجدارية التي وصلتنا من بغداد ، ومن أبرزها زخارف المآذن ، ومشهد زمرد خاتون ، وخان مرجان .

ومن أنواع الزخارف التي تتكون من اختلاف أوضاع الآجر نوع يشبه في شكله النسيج أو الحصير ، لذلك أطلق على هذه الزخارف اسم الزخارف الحصيرية . ويتبع المعماري في تكوينها في تكوينها نظامًا حسابيًا في بادىء الأمر ، ثم أصبح معقدًا فيما بعد ، حيث بلغت هذه الزخارف أوج تطورها ونضوجها في أواخر العصر العباسي .

الخاتمة :

لقد أضفى الفنان المسلم على الزخارف الهندسية عنصرًا جديدًا ، فندت في ثوب من الجمال الفني لم يكن لها من قبل مثيل . والفنان المسلم لم يخترع أشكالاً هندسية ولكنه بالغ في تقسيم هذه الأشكال المعروفة ، وخرج منها زخارف شتى تدل على براعته في علم الهندسة العلمية . وقد أعجب الغربيون بهذه الرسوم الهندسية ، وقلدها بعضهم حتى ليروى عن المصور الإيطالي "ليوناردو دافنشي" أنه كان يقي ساعات طويلة يرسم فيها الزخارف الهندسية الإسلامية.